من الصعب تقديم توقع دقيق حول مستقبل السوق العقاري السوري، إلا أن التحليل المتأني للواقع الحالي وتقييم التوجهات المستقبلية يساعد بشكل كبير في تكوين صورة أوضح.
هنا سنلقي الضوء على أبرز النقاط المتعلقة بوضع السوق العقاري:
تشهد السوق العقارية في سوريا ركودًا غير مسبوق مع جمود شبه كامل في عمليات البيع والشراء على مدار أكثر من عامين. يعود ذلك إلى عدة عوامل أهمها التضخم الكبير، وارتفاع تكاليف البناء وأسعار المواد الخام، بالإضافة إلى الأجور المتضاعفة للعمالة خلال العام الماضي.
أبرز أسباب ركود السوق العقاري في سوريا:
- زيادة العرض مقابل قلة الطلب: أدى الارتفاع الشديد في تكاليف المعيشة إلى اتخاذ العديد من الأسر السورية قرارات ببيع عقاراتها، إما لشراء عقارات أصغر واستخدام فائض الأموال لتلبية احتياجاتهم اليومية، أو للاستعداد للهجرة بحثًا عن حياة أفضل. هذه الظاهرة نتجت عن المشاكل الاقتصادية والضغوط السياسية التي دفعت الكثيرين لمغادرة البلاد . وفي المقابل كان الطلب ضعيف على شراء العقارات سواء من الداخل أو الخارج .
- التدهور الحاد في قيمة الليرة السورية وارتفاع سعر الصرف: أدى انهيار العملة المحلية إلى تضخم كبير في أسعار العقارات مقارنة بدول الجوار، مما جعل شراء العقار أمراً صعباً بالنسبة للمواطن السوري بالنظر إلى دخله المحدود .
- الزيادة الكبيرة في أسعار المواد وأجور العمالة : بسبب القيود التي كانت مفروضة من المشرع والتي كانت تحصر عمليات الاستيراد بأسماء محددة والتحكم بأسعارها حسب المصالح الشخصية لاصحاب النفوذ ، انخفض استيراد المواد الأساسية للبناء، مما تسبب بارتفاع أسعارها بشكل مباشر. كما ارتفعت أجور العمالة بشكل متسارع لتتماشى مع التضخم الكبير وغلاء المعيشة.
- الرسوم المالية المترتبة على عمليات البيع : شهدت القوانين الناظمة لعمليات بيع العقارات تغييرات واسعة تسببت في قفزة هائلة في نسبة الرسوم المفروضة على عمليات البيع، حيث وصلت زيادة النسبة إلى أكثر من 40% في بعض الحالات. إضافةً إلى ذلك، عززت التخمينات العقارية “غير المنطقية” القيمة التقديرية للعقارات بشكل أكبر من قيمتها الفعلية، مما جعل عملية البيع غير مجدية بالنسبة للبائعين .
- أثار القوانين والتشريعات الناظمة مؤخرا: بناءً على المرسوم التشريعي رقم /15/ لعام 2022 والذي يحمل في طياته إيداع 50% من قيمة العقار على عمليات البيوع في المصارف، والذي يعتريه الكثير من السلبيات واهمها تكمن في صعوبة سحب هذا المبلغ . مما يؤدي ذلك إلى خسارة جزئية من قيمة الأموال مقابل تقلب سعر الصرف، أو اللجوء لطرق غير شرعية لمحاولة سحب تلك المبالغ من البنوك مقابل نسبة تتراوح بين /5/ الى /10/ بالمئة من قيمة المبلغ. او اللجوء الى إتمام عمليات البيع عن طريق دعاوي تثبيت البيع لتجاوز عقبة الإيداع البنكي المنصوص عليه بالقانون المذكور أعلاه .
- الأوضاع السياسية المضطربة: عدم الاستقرار السياسي كان له دوراً محورياً في وقف حركة السوق العقاري. النزاعات داخل سوريا اضافةً لعدم استقرار المحيط الجغرافي السوري ، دفعت المستثمرين المحتملين سواء من الداخل أو الخارج إلى تأجيل خططهم الاستثمارية انتظاراً لتحسن الأوضاع .
- غياب المستثمرين الحقيقين نتيجة: القوانين الغير مدروسة بعناية لمصالح الاستثمار العقاري خلال فترة حكم النظام السابق حالت دون دخول الشركات الاستثمارية الكبرى إلى السوق السوري. بدلاً من ذلك، ظهر مستثمرون وهميون كانوا يستخدمون القطاع كواجهة لعمليات غسيل الأموال ومشاريع عقارية غير مدروسة تُدار لمصالح شخصية، مما انعكس سلباً على السوق بشكل عام.
الخلاصة: عند النظر إلى وضع السوق العقاري السوري السابق ، نجد أن هناك تحديات كبيرة كانت تؤثر سلباً وبشكل كبير على انتعاشه. إلا أن توقع استقرار الوضع السياسي وتحسين البيئة التشريعية قد يفتحان الباب أمام الفرص المستقبلية لعودة النشاط تدريجياً.
المرحلة التالية لتبدل نظام الحكم في سوريا حملت معها العديد من التوقعات بحدوث تغييرات ملحوظة في سوق العقارات . من بين هذه التوقعات كان الاعتقاد بهبوط حاد في الأسعار، مما دفع الكثيرين للبحث عن عروض جديدة فور تغير المشهد السياسي. لكن ما حدث على أرض الواقع جاء عكس التوقعات، حيث استقرت الأسعار نسبيًا ولم تتعرض لتأثير كبير . يمكن تفسير هذا الاستقرار بالعوامل التالية:
- استقرار سعر الصرف: لم يتأثر سعر الصرف بالدولار سوى بشكل طفيف خلال الأيام الأولى بعد سقوط النظام، وكان هذا التأثير إلى حد كبير مؤقتًا, مما دفع البنك المركزي السوري إلى تثبيت السعر عبر نشرات يومية.
- غياب آليات واضحة للبيع: الوضع الحالي يشهد تعطلًا في عمل الدوائر الحكومية الجديدة، مما جعل المالكين يفضلون انتظار صدور التشريعات وآليات البيع الجديدة بدلاً من التعامل وفق الأنظمة السابقة.
- التروي في عمليات البيع : أوقف الكثيرون عمليات البيع لمتابعة توجه السوق ولتقييم الجدوى من بيع العقار بأسعار السوق الحالية .
- تجميد أصول بعض الفئات : فئة كبيرة من الموالين للنظام السابق جمّدوا تعاملاتهم العقارية خوفًا من الملاحقة القانونية ، أو لأن البعض منهم غادر البلاد أو ينتظر وضوح المشهد.
- عدم توفر بدائل مناسبة: عند بيع العقار، يواجه البائع صعوبة في إيجاد عقار بديل بسعر أقل أو مشابه ، إذ إن البدائل غالبًا ما تكون بأثمان أعلى.
التوقع المستقبلي للسوق العقاري في سوريا :
مستقبل السوق العقاري في سوريا بعد التغيرات السياسية يمكن أن يتأثر بعدة عوامل. بعد أن تم انشاء حكومة انتقالية ، فقد نشهد بعض التطورات المحتملة :
- الاستثمار الأجنبي: قد يشجع الاستقرار السياسي والمناخ الجديد على جذب الاستثمارات الأجنبية في القطاع العقاري ، مما يعزز النمو.
- إعادة الإعمار: ستحتاج المدن والمناطق المتضررة من النزاع إلى إعادة إعمار، مما سيساهم في تنشيط السوق العقاري.
- التشريعات: يعتمد مستقبل السوق العقاري أيضًا على السياسات والعوامل القانونية الجديدة التي يمكن أن تتبناها الحكومة الانتقالية ، مثل تحسين أداء عمليات البيع وتسهيل المعاملات المتممة لذلك.
- الطلب المحلي : إذا تحسن الوضع المعيشي للمواطنين ، فقد يرتفع الطلب على المساكن والأراضي.
- التحديات : مع ذلك ، قد تواجه السوق العقاري تحديات كبيرة مثل الأزمات الاقتصادية أو النزاع المستمر وأثره على الثقة لدى المستثمرين.
بالتالي، من المحتمل أن تكون هناك فرص وتحديات في السوق العقاري في سوريا ، وتعتمد النتائج على كيفية تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد .
توجهات سوق العقار في سوريا ستعتمد على مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .
إليك بعض السيناريوهات المحتملة :
- زيادة الأسعار : إذا تحسن الوضع الأمني والسياسي واستمر الاستثمار في إعادة الإعمار ، قد نشهد زيادة في الطلب على العقارات ، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
- استقرار الأسعار : في حالة وجود نوع من الاستقرار النسبي والتوازن بين العرض والطلب ، من الممكن أن تستقر الأسعار لفترة زمنية معينة ، خاصة إذا كانت الحكومة الانتقالية تعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية .
- انخفاض الأسعار : إذا استمر عدم الاستقرار ، أو إذا كانت الأوضاع الاقتصادية غير مواتية ، قد يحدث انخفاض في الأسعار نتيجة قلة الطلب أو التقليل من الاستثمارات .
من المهم مراقبة التطورات السياسية والاقتصادية كجزء من تقييم السوق.
ولكن الرؤية القائلة بانخفاض كبير للأسعار حتى بنسبة 50% تبدو غير واقعية في الوقت الحالي أو القريب. هذا السيناريو قد يتحقق فقط على المدى البعيد وبشرط رؤية مشاريع حقيقية للاستثمار وإعادة الإعمار تسهم فعليًا في دفع السوق نحو تغييرات جذرية .
المحامي بلال حقي
خالد جملة
بالتعاون مع :
مكتب الانماء للهندسة والتطوير العقاري